قدامة بن جعفر الكاتب البغدادي

463

الخراج وصناعة الكتابة

ودخل ناس من أهل مصر على عتبة بن أبي سفيان فقال له : انك سلطت السيف على الحق ، ولم تسلط الحق على السيف . وجئت بها عشواء صفينية : فقال لهم : كذبتم بل سلطت الحق « 47 » فتسلط معه السيف ، فاعرفوا الحق تعرفوا السيف قبل معرفتكم بالحق ، فأنكم ] « 48 » الحاملون له حيث وضعه أعدل والواضعون له حيث حمله أفضل . وأنتم في أول لم يأت آخره وآخر دهر قد مات أوله فصار المعروف عندكم منكرا والمنكر عندكم معروفا واني لا قول لكم مهلا قبل أن أقول لنفسي مهلا قالوا : نخرج سالمين كما دخلنا آمنين ، قال غير ، راشدين ولا مهذبين ) . وقال أكثم بن صيفي « 49 » : وهو من خطباء العرب وحكمائهم ، كلاما يصلح للملوك ان يسمعوه ، وهو قوله : ( اللبيب من حذر السقطة وحسن خروجه من الورطة ) . . . وقال في موضع آخر : ( الأديب من تجرع الغصة ووثب عند الفرصة ) ومما يصلح ان تعرفه الملوك ليتقبلوا أحسنه ، ويجانبوا أضره وأرذله ويتفهموا مواقع الرأي منه ما كان . فالإسكندر ذو القرنين كتب به إلى أرسطاطاليس ، فان الإسكندر كتب اليه يذكر ان في عسكره جماعة من خاصته وذوي حشمة ، وأهل الحزمة ، وانه مع هذا لا يأمنهم على نفسه ، لما يرى من بعده همهم وقوة شجاعتهم وشدة دالتهم ، فإنه لا يجد لهم عقولا تفي بالفضائل التي فيهم ، ويكره الاقدام بالقتل عليهم بالظنة ، مع واجب الحرمة ، ويسأله عن الرأي في أمرهم فكتب اليه أرسطاطاليس : فهمت كتاب الملك بما وصفه من أمر القوم الذين يضمهم عسكره ، فأما بعد هممهم فينبغي أن يعلم الملك ان الوفاء من بعد الهمة ، وان هذه الحال وان كانت مرهبة ممن له من جهة اقدامه ، وان كان يكله

--> ( 47 ) في س : والحق . ( 48 ) ليست في ت . ( 49 ) احمد زكي صفوت : جمهرة خطب العرب ح 1 ص 56 .